مجموعة رسائل للإمام الشهيد حسن البنا
البنا كما عرفته
المرشد السابق للإخوان يتحدث عن الإمام الشهيد

- البنا سياسي محنك تفوق على رؤساء الأحزاب..!!
- مَن يفصل الدين عن السياسة لا يفهم حقيقة الإسلام
- زرتُ الإمام بعد حلِّ الجماعة فوجدته مطمئنًا!!
حوار: أسماء أنور
أكثر من ستين عامًا مرَّت على التحاقه بصفوف جماعة الإخوان المسلمين ليكون جنديًّا تحت لواء الإمام حسن البنا.. مستمعًا منصتًا لحديث الثلاثاء من كلِّ أسبوع منفذًا مُطَبِّقًا لكل حرفٍ بقية أيامه لحين موعد اللقاء الجديد.. كان له مع البنا مواقفُ وذكرياتٌ محفورةٌ في القلب والوجدان والخاطر وكيف لا وقد كان- كما أخبرنا ضيفنا عنه- الأب والأخ والصديق لكل مَن يراه ويعرفه.
تخرَّج في كلية الحقوق وعاش معاناة الإخوان المسلمين منذ الحل وحتى اليوم، وكان من الطلبة الذين تعرَّضوا للفصلِ من الجامعة على إثر حلِّ الجماعة عام 1948م، وتعرَّض للمحنِ مثل سائر الإخوان على طول الطريق، فلم يكن إلا صابرًا مجاهدًا محتسبًا أجره عند الله.
تولى منصب القائم بأعمال مرشد الإخوان المسلمين بصورة مؤقتة عقب وفاة الأستاذ مأمون الهضيبي رحمه الله فصار أول مرشد لجماعة الإخوان يأخذ لقب السابق..!! ضيفنا اليوم هو الأستاذ محمد هلال المحامي الذي كانت لنا معه تلك الوقفات لنبحر معه في ذكرياته عن الإمام البنا..
البداية
* في البداية نودُّ أن نتعرَّف على كيفيةِ التحاقكم بالإخوان المسلمين، وتعرفكم على الإمام حسن البنا رحمه الله؟
** تعرَّفت على الإخوان المسلمين والتحقت بصفوفها عام 1944م، وكنت في ذلك الوقت طالبًا بكلية الحقوق دائم التردد على درس الثلاثاء الذي كان الإمام البنا يتحدَّث فيه أسبوعيًّا بمقرِّ الجماعة الذي كان في الحلمية وقتها والذي صادرته الحكومة فيما بعد وحوَّلته إلى قسم للشرطة، في ذلك الوقت كان الإخوان يأتون من كل صوب وحدب للاستماع إلى الإمام البنا رحمه الله، ولا أكون مبالغًا، لو قلت أنهم كانوا مئات الآلاف يفترشون الأرض، فيوقفون حركة المرور في الحلمية حتى ينتهي الدرس الذي يستمر غالبًا أكثر من ثلاث ساعات لا تجد من تطرف عينه أو ينصرف عما يقوله الإمام وكأن على رءوسنا الطير.. وكنت واحدًا من هؤلاء الذين يستمعون إلى الإمام وبعد انتهاء الدروس كنت أذهب إلى غرفته التي يجتمع فيها أعضاء مكتب الإرشاد لننهلَ أكثر منه، وننهال عليه بأسئلتنا فما كان بعد طول الفترة التي يلقي فيها حديثه يمل أو يصدنا بل كان يستمع إلى أسئلتنا باهتمامٍ، ويجيب عنها الواحد تلو الآخر.
* حياة حافلة بالدعوة إلى الله مع الإمام البنا.. وبالقطع لكم مواقف عديدة معه لا تزال في الذاكرة فأي المواقف لا زال يذكرها لنا الأستاذ محمد هلال مع الإمام البنا رحمه الله؟
** المواقف مع الإمام كثيرة، ولكن منها ما لا أنساه معه رحمه الله كان عام 1948م بعد أن تمَّ حل جماعة الإخوان، وقد ذهبت لزيارته مع الأخ هنداوي الذي حكم عليه بالإعدام أيام عبد الناصر ومات كما نحسبه شهيدًا إن شاء الله.. وكانت زيارتنا للإمام بعد حلِّ الجماعة لنؤكدَ له أننا لا زلنا على الطريق، وأن قرار الحل لن يفتَّ في عضدنا، فقابلنا الإمام مبتسمًا مطمئنًا، وقال لنا: أتتصورون أن هذا القرار سيؤثِّر على الدعوة؟.. ثم عقَّب قائلاً: هذا القرار لا أَثَرَ له على دعوة الإخوان، فهي دعوةٌ ربانية لا يمكن لقرارٍ صَدَرَ عن رئيس الوزراء بإيعازٍ من المحتل الإنجليزي أن يطبق عمليًّا لأن الإخوان دعوةٌ تنتشر في جميع أنحاء العالم.
وقد صَدَقَ حَدْسُ الإمام وَوَصَلت دعوة الإخوان منذ أُعلنت عام 1928م، وبعد مرور كلِّ هذه السنوات والمحن التي مرَّت بها الدعوة لم يَعُد هناك بقعة على الخريطة إلا وفيها جماعة الإخوان المسلمين.
ثم ضحك الأستاذ محمد هلال قائلاً: بالمناسبة أسمعتِ عن الكنب الإسطنبولي من قبل؟؟ مؤكد لم تسمعي عنه.. كان هذا هو أثاث المنزل الذي أجلسنا عليه الإمام الشهيد رحمه الله، وقدَّم لنا يومها الشاي وتحية الضيافة بنفسه، فقد كان شديد التواضع يتصرف على طبيعته وسجيته دون تكلف.. ومنذ مدة بسيطة قابلت الأستاذ سيف الإسلام البنا وكلما رأيته سألته عن الكنب الإسطنبولي فيضحك ويقول لي لا أدري أين ذهب..!!
الدعوة في الشارع!
* لماذا كانت دعوة الإخوان المسلمين بالذات التي اخترتها لتلتحق بصفوفها، ولماذا الالتفاف حول حسن البنا وليس أحدًا آخر؟
** النكسة التي أصابت الخلافة على يد أتاتورك ذي الأصول اليهودية جعلت قلوب الناس تتعلَّق بمَن يحثهم على الإسلام من جديد ويجمعهم تحت لواء واحد كما كان حال الخلافة.. وقد قيَّض الله الإمام البنا رحمه الله ليكون ذلك الشخص.. فالله يبعث على رأس كل مائة عام مَن يجدد الإيمان في الأمة، وقد كان الإمام البنا ذلك الرجل.. وحسن البنا حينما وضع اللبنة الأولى لجماعة الإخوان المسلمين كان هذا بعدما مرَّت بأطوار لا يمكن أن تحصرَ في كتب أو دوريات، وكل هذه الأمور تؤكد أنها دعوةٌ ربانيةٌ في المقام الأول لا يمكن أن ينال منها إنسان بإذن الله.. أما لماذا حسن البنا فلأنه كان إنسانًا متواضعًا مدرِّسًا تخرَّج من كلية دار العلوم ليكونَ أستاذًا في النهار داعيةً في الليل.. لأنه كان لا يتوانى عن الجلوس على المقاهي ليدعوَ الناس إلى الله ويطوفَ الشوارع ليقنعَ الناس بفكرتِه بصبرٍ وابتسامةٍ وهدوء.
الإمام البنا والآخر
* هذا سينقلنا إلى سؤال يَرِدُ على أذهاننا كثيرًا، هو كيف كانت معاملة الإمام البنا للآخر سواء من ليس منتميًا لجماعة الإخوان أو مختلف الديانة عن الإسلام؟
** في الحقيقة الإمام البنا رحمه الله كان دبلوماسيًّا جدًّا لبقًا في الحديث، ولديه حضورٌ غريبٌ خوَّل له هذه الشعبية، وهذا الحب الذي تمتع به بين الناس، سواءٌ الإخوان أو غيرهم، كان له بعيدًا عن الإخوان أصدقاء كُثُر حتى الوزراء الذين كان يوجد بينه وبينهم عداء إلا أنه كان يعاملهم بالحسنى وبودٍّ غريب بأخلاقِ المسلم التي لا يجب أن تفارقَه.. كنا نتعلم منه دروسًا كثيرةً خاصةً في كيفية التعامل مع مَن يكنُّون لنا عداءً ظاهرًا كان أو خفيًّا.. وبالنسبة لمختلفي الديانة يكفيني أن أقولَ لكِ إن الوحيدَ الذي سار في جنازة الإمام البنا رحمه الله بعدما منع الرجال من السير في جنازته واعتقال الإخوان المسلمين كان السيد مكرم عبيد الذي كان يحب الإمام حبًّا كبيرًا ويحترمه كثيرًا.. كذلك كان للإمام رحمه الله من مستشاريه الخواص بعض الأخوة الأقباط من عائلة دوس في الصعيد.. فالأمر لم يكن بعيدًا عن الإمام أو غريبًا عليه، بل كان رحمه الله يأخذ بآراء مستشاريه الأقباط ويشركهم معه في التفكير، وكان لا يستنكف أن يسألَ مَن هو دونه في الثقافة أو العلم حتى لو كان غير مسلم.
ذاكرة حديدية
* فإن كان هذا حاله مع الإخوة الأقباط فكيف كانت علاقاته مع إخوانه ذاتهم هؤلاء الذين تربوا على يديه ونهلوا من معين علمه وخلقه؟
** ضحك الأستاذ محمد هلال وقال: إن كان هذا حالَه مع مَن هم على غير الملة، فما بالك بإخوانه!!
كان رحمه الله الأب والصديق والأخ والرفيق والإنسان البسيط الذي يضاحك الإخوة ويمزح معهم، في الجد جد وفي المزاح مزاح.. كنت أراه حينما يضحك تملأ الضحكة وجهه حتى تظهر أسنانه.. كان دائم السؤال على إخوانه حتى لو كان قابلهم مرةً واحدةً فقط، وكان دائم الاطمئنان عليهم وعلى أسرهم.. وحينما كان يزور بيت أحد الإخوة ليسلم على أهل بيته ويُعرِّف الأخ أهلَ بيته بالإمام كان رحمه الله يقابل الأطفال ويأخذهم بأحضانه ويدعو لهم فردًا فردًا، وتمر السنوات تسع أو عشر سنوات ثم يعاود زيارة الأخ فيسأل عن أبنائه بأسمائهم ويطمئن على أخبارهم بذاكرة حديدية لا تنسى من مَرَّ عليها أبدًا حتى لو كان طفلاً.
ولا أنسى كيف كان الإمام البنا أيام حرب فلسطين عام 1948م حينما كان يذهب لكي يؤكد للإخوان أنهم يجاهدون في سبيل الله، وأن أرض الإسلام لا بد أن نقوم بتخليصها من المحتل، ويعود الإمام ثم يرجع إليهم مرةً أخرى ليزورَ جنودَه الموجودين في فلسطين ليشجِّعَهم ويشدَّ من أزرِهم ويحفزَّهم... وكل هذه الأمور يعجز التاريخ على أن يجد خيرًا من هذا الذي قدَّمه حسن البنا بهذه الدعوة المباركة.
رؤيته لدور المرأة
* هذا عن الإخوة الرجال فماذا كان عن المرأة في حياة الإمام رحمه الله ودورها من وجهة نظره في الدعوة؟
** المرأة في فكر الإمام البنا موجودة منذ بداية الدعوة المباركة.. منذ نشأتها الأولى وهناك قسم خاص بالأخوات انتبه لأهميته الإمام البنا منذ البداية، بَيْدَ أننا لا نحب الزجَّ بأخواتنا وبناتنا في العمل العام بصورةٍ كبيرةٍ، نظرًا للظروف الأمنية السيئة التي كانت فيها دعوة الإخوان منذ بدايتها وحتى اليوم مع غياب الديمقراطية الحق وحرية التعبير وخاصة أنهم في الماضي والآن لن يتوانوا عن اعتقال أخواتنا بارك الله فيهن، كما حدث أيام عبد الناصر مع الحاجة زينب الغزالي رحمها الله، وكذلك عائلة الأستاذ الهضيبي حينما اعتقلوا أسرته كاملة بنسائها وشبابها.
ولكن مسألة وجود المرأة في دعوة الإخوان مسألة مفروغ من أهميتها وضرورتها ووجودها الفعلي سواء منذ نشأت الجماعة على يد الإمام رحمه الله وحتى يومنا هذا.. وأذكر أنه كان هناك أخ سألني ذات يوم متى نرى الأخوات في مكتب الإرشاد فقلت له ستراهم حينما نطمئن لوجود الحرية والديمقراطية التي لا نخاف بعدها على أخواتنا من الإيذاء.
سياسي محنك
* قلتم في بداية حديثكم إن الإخوان المسلمين دعوة ربانية، وفي الآونة الأخيرة أُثيرت مسألة علاقة دعوة ربانية تأخذ الشكل الإسلامي بالحياة السياسية، مما يدعونا لسؤالكم عن كيف كانت السياسة في فكر الإمام حسن البنا، وهل ربط بين الدعوة والسياسة منذ بداية الإخوان؟
** في البداية أنبِّه على نقطة مهمة.. إن من يقول إن الإسلام شيء والسياسة شيء آخر هو إنسان لا شك لا يفهم حقيقة الإسلام؛ فالرسول عليه الصلاة والسلام في بداية قيام دولة الإسلام في المدينة المنورة كان قائدًا للجيش ورئيسًا للدولة ومعه الصحابة، بمعنى أن الإسلام منذ بدايته يرتبط ارتباطًا عضويًّا بالسياسة، أي دين وسياسة، كلها أمور واحدة.. ومن يَقُلْ إنه لا علاقة للدين بالسياسة إما جاهل وإما باحث عن مصلحته الشخصية.
أما الإمام البنا فلم يفصلْ بين الدعوة والسياسة، ومخطئٌ من يظن هذا الظن، بل كان رحمه الله في وسط معترك الحياة السياسية طوال حياته فكان له مقال يومي بمجلة الإخوان المسلمين التي كانت تصدر بشكل يومي يتحدث فيه عن السياسة بصورة يعجز معها رؤساء الأحزاب في مجاراة حنكته السياسية... ولكي يثبّت حق الإخوان المسلمين في الانتخابات قام بترشيح نفسه فيها، إلا أن النحاس باشا أتى إليه ورجاه طويلاً أن يتنحى عن الانتخابات، وقال له بالحرف: "الإنجليز مش عايزينك يا شيخ حسن"، فطاف الإمام على الإخوان في القطر كله لكي يخبرهم بما اتفق عليه مع النحاس باشا، وذلك حتى يحقق مبدأ الشورى مع إخوانه وحتى لا يكون قرارًا منفردًا.. وكل هذا يؤكد أنه سياسي محنك بارع له نظر ثاقب لا ينكره عليه إلا جاحد.
* كيف استقبلتم خبر اغتيال الإمام البنا رحمه الله، خاصةً مع الاعتقالات التي كانت على أشدها في تلك الفترة؟
** صمت الأستاذ محمد هلال برهة، ثم قال بصوتٍ يغلفه الحزن: كانت مؤامرة حيكت على يد الاحتلال الإنجليزي بتنفيذ أياد مصرية، فبعد أن قام النقراشي بحل جماعة الإخوان المسلمين تمَّ اغتياله على غير رغبةٍ من الإمام البنا، فبدأ إعداد المسرح لاغتيال الإمام.. الذي بدأ باعتقال الإخوان المسلمين جميعهم وتسريح الطلبة المنتمين للجماعة من جامعاتهم، وحينما طلب الإمام منهم أن يأخذوه مع الإخوان إلى المعتقل رفضوا طلبه فعلمنا أن هناك ما يُِحاك ضد الإمام حتى كان يوم 12 فبراير من سنة 1949م، حيث استشهد رحمه الله عن عمر يناهز الثالثة والأربعين من عمره فحزن الإخوان على وفاته حزنًا عميقًا، رغم أن موته جاء شهادة في سبيل الله، إلا أن فقده كان خسارةً عظيمةً رحمه الله.
* في ختام حوارنا معكم هل من كلمة تختم بها معنا الحوار عن الإمام البنا؟
** مهما تحدثتُ عن الإمام البنا فلن أتوقف، فالكلمات عنه كثيرة والمواقف معه أكثر والمعاني التي تعلمناها منه أكثر بكثير من أن تُخْتَصَرَ في كلماتٍ قليلة، بَيْدَ أن حسن البنا كان هديةً ربانيةً للعالم جاءت بعد نكسة الخلافة الإسلامية، فترك في كل بيت خيرًا وفي قلب كل مسلم أثرًا.
كان منحة من الله سبحانه وتعالى استفاد منها المسلمون في الأرض، وإن كنا لا نقدس شخصًا أو نمجده، إلا أننا نقول: إن حسن البنا سخَّره لنا الله ليقيمَ ويجدِّدَ فينا دعوةَ الإسلام بطريقةٍ وسطيةٍ سلسةٍ، بعد أن عَبَثَ فيها العابثون من أمثال أتاتورك وغيره.. وانتشار دعوة الإسلام الآن في الأرض يحسب في ميزان حسن البنا إن شاء الله بدعوة الإخوان المسلمين التي بدأها فوصلت إلى ما وصلت إليه الآن في العالم.